في المواساة…

الناس هنا طيبون جداً،، طيبون لدرجة أنهم يحكمون على شخصك -كونك غزيّاً- بعددِ الحروب التي عاصرتها، وكم الدماء التي نزفتها أو نزفها قريبٌ لك،، أو بعدد الأسرى من أقاربك.. كلما عاصرتَ أكثر وتألمتَ أعمق واحترقت أبشع.. فأنت تستحق الشفقة أكثر!
طيبون إلى الدرجة التي يعطونك فيها أكبر بكثير من الاهتمام أو بشكل أصح “المراعاة” التي تريد كونك من غزة،، طيبون إلى درجةِ أن أول ما يبدون به تجاهك من المشاعر هو الشفقة.. حتى أنهم طيبون لدرجةِ أنهم لا يعلمون مدى ضيقِكَ وألمك حين تعلم أن كل ما يملكُ العالمُ لك هو الشفقة والدعاء.. لا شيء سواهما!
مؤخراً،، بتُّ أتفادى الإفصاح بأني فقدتُ شقيقتي الحامل وطفليها الرائعين في حرب غزة الأخيرة،، لأنني لم أحب ولم أُرِد وما عدتُ أطيق التدفقات العاطفية الحزينة الباكية كون لي عائلة تتألمُ من فقدٍ موجع وأن لي وطناً ضائعاً تتلقفه الأحزان والمآسي والفواجع، فعند هذه النقطة تحديداً يتحول العالم إلى “ذوي الفضل” الذين يمنّونَ عليك بدعاءٍ وتوددٍ حزينين تبطنهما مشاعر لا تفهمها، تُشعرُك أنك في طور “الشحدة”!!!!
مشاعر الناس وحضورهم رائعين على الصعيد اللحظي فقط،، شكراً للناس وشكراً للتعاطف اللحظي،، لكن المشاعر ما عادت تجدي، والتضامنُ بالحروف والكلمات بات أقسى وأوجع من السكوت، أو كلهم سواء ولا فروق، الأسى مستمر والوجع باقٍ والحرقةُ تشتعلُ أكثر كلما مرت الأيام..
ذاك الطفل الذي فقد أمَّه كبُرَ معه الوجع، وتفاقمتْ معه الآهات في كل يومٍ زاره المرضُ ولم تطبطب عليه يدُها الحانية، وتلك العروس التي تُوّجت قبل أشهرٍ وفي رحمها بذرةٌ حلوة تستحق أن تعيش في كنفِ والدينِ اثنين،، باتت أرملة، والطفلةُ فقدت أباها..! هي وُلِدت وذاقت بعضاً من فرحِ الحياة،، لكن مجرد نظرةٍ إلى عينيها تكفي لتشهدَ عن نقصٍ في روح الطفولة ومعنى الحياة، هي لم تذُقْ حلاوة رجوع “بابا” من العمل بعد غياب ساعات ولم تهرول والسعادةُ تملأ كيانها لبسمةٍ أو لحضنٍ مشتاقٍ منه!
نعم يا لمرارة الفقد.. ويا لسوء الشفقة حين تأتي لتزيد الوجع وتُفاقِم الألم.
بعض الناس سلبيون في مواساتهم، رديئون في مشاعرهم،، فبكاءُ طفلٍ مثلاً لا يطلبُ منك دمَعاتَك (رغم تقديرها) بقدرِ ما يطلبُ منك رفْقَك ودعمكَ المعنوي وروحُكَ الحلوة، ونداءُ أمٍّ لا يطلب منك حزنك وشفقتك بقدرِ ما يطلبُ كلمات دعمٍ وروح أخوةٍ وحب.. وحصارُ شعبٍ لا يطلب منك إسهاباً في أساليب “اللطم”،، ففي كثيرٍ من الأحيان وقفة الروح للروح تفي وتكفي.
المواساةُ فن.. ليست دوماً بالدموع وليست شرطاً بالمادة، قد تكونُ حزيناً وتأتي المواساة على شكل بسمة تزدهرُ لها روحكَ وتفرح.. قد نكونُ بؤساء وتأتي المواساة بكلمةِ تثبيت تدعِّمُ ضعفنا وتجبر كسرنا، أو بتربيتٍ هادئ على الأكتاف يزيح بعضاً من الأسى. في المواساة تتداخل المشاعر والأرواح وتتعدى كونها كلمةٌ تمرق من لسانٍ إلى أذن، هي قلبٌ يتعاطف وجسدٌ يتداعى حاكياً عن تعاطفه، ورسالةٌ جميلةٌ يشعر بها محتاجُها. ليست كلاماً جافاً وليست مشاعر حافية، هي تفاعل لكل المكنونات الحسية والعاطفية والعقلية، ومن واللاذوق أن يتجسد هكذا تفاعل فقط ب”الشفقة”.
رجاءً لا تزيدوا الهمّ بِهَم،، لا تعيّروا مشاعرَ الشفقةِ خاصتكم لبشر؛ لأنها مؤذية، محزنة.. لا تواسي ولا تدعم.
غادرتُ غزةَ منذ أربع سنوات.. ولم أظن للحظة أن الغياب لعينٌ إلى الحد الذي يفقدكَ الشهية ومذاقات الأطعمة، حتى أن ملذّاتِ الحياة اختلفت، ما عادت ابتهاجاتها حلوة.. لكل عتبةٍ من غزة شوق، ولكل شيءٍ فيها نكهة، حتى لركام البيوت ورماد الشوارع! كلها بَرَكة، أينما حللتَ وكيف حللتْ! لم أظنّ للحظة أن الهوية الغزيّة مدعاة للشفقة في نظر العالم رغم كل ما تعنيه لنا، رغم المواقف والزمن والذكريات والماضي والحياة! صحيحٌ أن كدر العيش وتكرار الحروب وانقطاع الكهرباء والماء وانعدام الاحساس بالأمان ينقصُ من جودة الحياة ويزيدُ الناس هَمّاً، لكن يبقى الوطن أدفأ حضنٍ وأوسع مكان وأمتع عيش وإن كان خرابةً من خربات هذا العالم! وليس لأحدٍ أن ينتزعَ هذه المتعة وهذا الانتماء بمشاعر بالية أو بنظرةِ دُون!
لا زلتُ أذكرُ لحظات الحرب البئيسة.. ليس أسوأُ من أن تفقد غالياً وتعلم بصدفةٍ عن فقده! صحيح كانت صدفة!
لم تكن الاتصالات سهلة يسيرة، أذكرُ أن القدرَ رمى إليّ بصورة مع تعليق من تويتر لتمهد لي عما حدث.. كانت صورة لشخصين مغطيين باللون الرمادي والبقع الحمراء، مع تلك الألوان خابت ذاكرتي ولم أعرفهما لولا تعليقٍ من صديق ذكرَ اسمَ أحدهما،، بدأت محاولاتي للاتصال والاستفسار ولسذاجتي بدأتها بشقيقتي “سمر” الشهيدة ثم بكل شخص بالعائلة وكلها فشلت.. جاء الرد من تويتر استشهد سبعة من أفراد العائلة،،
إلى أن أجاب والدي بعد قرابة الساعة ( بابا… سمر وأولادها ربنا يرحمهم!)
لم أذكر هذه القصة لأستزيد من مشاعر الناس،، بل رسالة للعالم نحن ما زلنا نملك حياةً خضراءَ مليئة بالمواقف بعضها حلو وبعضها حزين، لا زلنا نملك حياةً مفعمة بمعاني الفرح والأمل بغدٍ أجمل، لا زال هناك متسعٌ لآمالنا وطموحاتنا ورسالاتنا وأهدافنا. نعم هناك جانبٌ حزينٌ موجوع، لكن دواخلَنا أكثر حياة من أي قومٍ لم يفقدوا ولم يتوجعوا،، فهذه الأوجاع تزيد من قيمِ النفس، تعطيها عظمةً وملوكيةً وقوة،، هذه الأحداث تغيِّر من نظرتك للحياة تزيدُك رزانة وتمنحكَ إيماناً أقوى وتفكيراً أسمى.
في الواقع.. العالم من يستحق الشفقة وليست غزة!

Advertisements

أونيكــا ..

في المسجــد:

كانت تمسك كتاباً كبيراً كُتب عليه “I love Islam”، تقلب الصور وتسأل ما هذا وما ذاك! أجبت بعضها ثم سألتني بشكل عشوائي: لماذا أمر الله أن نرتدي الحجاب ونغطي شعرنا؟

أجبتها إجابة ساذجة جداً جداً لا أعلم كيف فعلتها ! كنت أظن أنها ستعي ما أقول لأنها مسلمة!

فقالت بعدها بقليل: أنا لا أزال مسيحية وعما قريب سأسلم!

onika

سألتها: هل تحبين الله؟

قالت أحبه جداً ،، وأحب الرسول محمد ..

سألتها: هل تخافين الله؟؟

قالت: لا .. فأنا أؤمن أنه معي دوماً ويحميني أينما كنتْ.

ثم  سألتني: هل معك القرآن كي أراه؟ أريتها إياه..

فقالت: أريد لو أحتفظ به، حتى عندما أتعلم العربية جيداً أقرأُ كلَّ ما فيه.. !! “كنتُ أتصور أنه الفضول لكن سرعان ما عرفت أنني مخطئة .. هو الاهتمام والرغبة ..

” بكل صدق قد أذهلتني تلك الفتاة بإجاباتها وتفكيرها .. لا أعلم نوعٌ من الأطفال يضحي بيوم عطلته الوحيد كي يقضيه في المسجد ويتفاعل مع الكبار ليصل لشيءٍ ما أراده بقوة!”

سألتها ما اسمك؟! أجابت لكني لم أسمعه جيداً .. فكررت السؤال ثانيةً وثالثة ..

أجابت: “أونيكا” … هكذا يُكتب باللغة العربية.. وكتبته لي على ورقة!!!

أونيكــا، فتاةٌ أمريكية في السابعة من عمرها،، جدّاها من متعصبي المسيحية من رواد الكنيسة، أمها منفتحة تؤمن أن لدى أبنائها حرية الاختيار في أي الأديان يعتنقون! ووالدُها لم تره ولم يرها منذ فترة.

صديقتها مصرية مسلمة في السابعة من عمرها أيضاً،، جلّ همها هداية “أونيكا” للإسلام .. أتساءل أيُّ همٍ هذا الذي تحمله ابنة السابعة ! وأي يقينٍ  ذاك الذي تحمله الفتاة مصدر الإلهام “أونيكــا” ..! “ادعوا الله لها”


السنوية الأولى ♥

Monther & Aya 1/3/2012
Happy Anniversary

لم يكن مجردَ تاريخٍ مميزٍ يبدأ فيه شهراً جديداً ، بل هو حياةٌ بانتْ ملامحُها منذ أولِ يومٍ مزدانــةً مشرقــةً تنطق بها بشاشـةُ وجهه وعينــاهُ الآسرتانِ الخضـراوان كخضرةِ روحــه ، وما أروعَ البدايـــاتْ …

كـان “الأول من مـــارس” .. شمسُه خجلةٌ كما كنتُ يومها، وأرضُه رطبــةٌ بالبركــاتِ تحفُّ كلَّ الخطــواتْ ..

كتبنا فيه عهدنا أن أكون له زوجةً تعشقُـهُ تحفظـهُ تسعدُهُ ما أعطاهـا اللهُ العمر.. وأن يكون لي كونـــاً .. محبــاً وفيــاً ودوداً يحفظُ آيتَــهُ ويسعدُهـا ، وقد أعطــى وزادْ ..

لم يكن عهداً على ورقِ الوردِ أو النرجس لننقشَ قسماتـه المشهودة .. كان عهـداً قد أشهدْنـا الله عليه كما أشهدنا نفسيْنا وقلبيْنا وروحيْنـا والكونَ أجمــعْ ..

كلانــا كان مدركــاً تماماً لمَاذا اختارنا الله لبعضيْنا شريكـاً للعمر ،، أنيســاً للودِّ ،، حبيبــاً ومحبّــاً .. فكـانَ منه التوفيـــق …..

تداخلتْ يومها يدانا الاثنتان لأولِ مرة كما تداخلتْ روحانــا … وصادقنا المطرُ مذ أن بدأنا كقلبين أحدهما للآخر ، وصادقَتْنا دعواتُهم والأماني بتمام السعادةِ والخيرِ والبركة …  وبدأتْ حكايتُنا إلى غير منتهى …

رجلٌ أتقنَ حبي وأحببتُهُ ملءَ الأرض بل و ملءَ السماوات .. وأشهدته الحبَّ أمام الكونِ .. حتى إذا رأوْا الهيامَ بيننا تغامزوا وتهامسوا أن  ” أسعدهــمْ يا رب”   🙂

سنويتُنا الأولى .. يومٌ قد اخترنــاه سويّــاً .. بِـحُــبْ .. كاختيارنا الجوري والبنفسجْ

منــذر …. كلُّ عــامٍ وأنتَ لــيَ الـــروح ..


دور المثقف ..

ظاهرة عجيبة:

في فترات الدّعة والركود نلاحظ أن مجتمعنا يتشكلُ من ثلاث فئات: القيادة ، المثقفون ، والعامة ، أما فحين تحتدّ الأزماتُ وتشتعل.. تأخذُ الشريحةُ الثانية الطابعَ الثالث، فيصبحُ دورُ المثقفِ هو بلورةُ رأيٍ عام ليس إلا ..!

هنا يتمركز الحديث حول النقاط التالية :

  • أولاً: فترات السكون ،، حيث يستسلمُ المجموعُ لنواميسِ المجتمعاتِ الراكدةِ في تنحيةِ العامةِ والمثقفينَ عن فعلِ القيادة ، وهنا يكونُ دورُ المتنــورين هو مجردُ ترفٍ فكريّ لا يساهمُ في تشكيلِ نبضِ الشارع ولا في بنائه ! ، وأما العامة .. فشعبٌ صامتْ ليس يحركُه شيء !
  • ثانيـاً: الأزمــة ،، والأزمـةُ جارفةٌ لا تستحي أن تهدمَ الأفكــارَ والمبادئ قبل أن تهدمَ المعاييرَ واللوائح..!

    حين يشعرُ الشعبُ أن نائحةً ما تطرقُ الأبوابَ وتكشّرُ الأنيابَ جالبةً تُعسَ الحظِ وبؤسَه ،،  يبدأُ في تشكيلِ رد فعل يبعثُ ما يشحنُ أجواءَ السكونِ الاعتيادية ويوتـرُ استسلامها .. وهنا يدورُ الفعلُ بشكله الأقوى بين دائرتين … الساسةُ و العامة..

ويبقى رأيُ المثقفِ ذائبٌ غائبٌ ما دامَ لم يتفاعل كدور ريادي ليشكلَ في ذاته قيادةَ الحراك ! “كما حصل في ثورة 25 يناير المصرية حين تشكلت قيادة الثورة من الميدان” !

الانتقاداتُ في وضع “روتيني” كهذا كثيرةً ….

منطلقها: الهدوء “الاعتيادي” السبَّاق لمرحلة الأزمة ،،

أوسطُها: الدورُ النائم للمثقف والذي لا يعدو كونه “متعة” غير مؤثرة وغير مسئولة لإحداث أيّة ضجة ،،

ومنتهاها: طبيعة المسئولية التي تقع على عاتق المتنورين بدلَ أن يقتصر رأيُهم على كونه اندماج بريء في الرأي العام ، مجرد من أيِّ طابعِ تحريكي قيادي !

أما فيما تعلق بالهدوء السابق لمرحلة الحراك .. فلابد من تخطي كون الأمر طبيعياً ولنُعدَّ العدة لمجتمع مثالي يرفض الهفوات آن حدوثها قبل أن يتسع الخرق على الراقع، وتتفاقم الأزمة لتستلزم حراكاً أو ثورةً قد لا يكون المجتمعُ على جاهزيةٍ كافية لخوض غمارها !

لذا فالبرود مرفوض ! ،، ولابد وأن يشعرَ المجتمعُ بضرورة الطرح الشعبي في فترات الدعة عدا عن الأزمات!

وأما فيما تعلق بالدور “التحريكي” للمثقف… فأحظى ألا يختصـره مقالٌ يشجبُ أو رأيٌ يرفض .. لا ترقص به عنزٌ ولا دجاجة ! وإنما “المبادرات” يا سادة ! ،،  فقيادة الجمهرة في إطار عملي أجدى من تلقيحها بالشعارات !

يُتبع إن شاء الله …


لأجلِ الكرامـــة..

أبدأ رسالتي من خيمة الأوفياء تلك التي أعلنت انتفاضةَ الجدرانِ قبلَ انتفاضةِ البشرِ أنْ تبقى على عهدِ الكرامةِ ما دامت تُباع ُفي أسواقِ النخاسةِ مقابلَ الخبزِ والطحينِ وحباتِ الزيتون وكلّ ما ينقضُ الجوع، بل كل ما ينقضُ خواءَ أمعائهم وقد جعلوها عنوانَ العزّ وسبلَ الفخار.

ألا أيها الجوع الذي يضرب أمعاءَ الأكرمينَ يمنةً ويسرة.. تمهّلْ واستحي.. علّ الكرامة تضرب أطناب المذلة فتردَّ للظلم كيدَه ، وتفكّ للبطلِ قيدَه، ، استحي.. علّ الأسيرَ ابن الأميرِ يشفي غليلَ وطنهِ فيعيدُ ما لم يعدْهُ الأحرار، علّه يكونُ بين الخيولِ وحدَه الكرَّار.. وقد أدمنَ الشعبُ التخاذلَ.. وأدمن الانكسارْ.

قصةُ الأسيرِ حين ينتفضُ بأمعائهِ فيقاطعَ سبلَ الحياةِ هي ذاتُها روحُ الوطن.. قضيةُ الأسرى جميعاً.. قضيةُ الكرامــة.. قضيةُ الإنسانْ.. أيّاً كان التوجُّهُ أو الدينُ أو التنظيمُ أو الدولة..!

شيخُنا خضر عدنان ما هزُلَ خلفَ القضبانِ ولا استكان.. كي يهزُلَ المجتمعُ والأفرادُ والقادةُ أمامَ قضيته فلا ينصرنَّهُ القويُّ ولا الضعيف إلا الأقلّةُ الأقلة …! كي يستكينَ المجموعُ للذلِّ ينخرُ ضلوعَه معلناً إفلاسَه حتى عن وقفةِ تضامن.. وقد أبى كلُّ من شلَّ القيدُ كفهُ الإذعانَ له.. فأنّـى تنكصـون ..!!

تشكوكم مقاعدُ النصرةِ الفارغة.. والخيمةُ العصماءَ الضارعة.. حين ما يحركُ خلوها غيرُ صوتُ نصيرٍ أو اثنين يتحاكيا بين حنينٍ أو قهرٍ أو غضب لقضيةٍ لم تلقَ من بالكم نظرةً ولا شفقة وهي لكم الحياةُ قبل الموتْ..!

ألا أيها القوم.. إنّ ذاكَ المحجورُ خلفَ أسياجِ الحديدِ ولا يدري متى الفرجُ آتٍ.. مقهورٌ بين صمتٍ لعين ونصرةٍ مذعورة ذاكمُ الكريم،، أما البقيةُ فرغمَ أنفِ الذلِّ أذلةٌ ما داموا بينَ الدفءِ والحرائرِ يتنعمون،، وصاحبهمْ في الزنازينِ مشغولٌ أن يعيدَ لهم حقٌّ هم عنه معرضونْ.

متى نصيحُ بقهرنا يكفي.. متى نصيحُ بذلنا يكفي.. واحدٌ وستونَ يوماً والموتُ يتسللُ إليهِ بشهادةِ العالم ونحنُ الأقربونَ وليستْ تهزُّنا نخوةٌ  ولا شهامة

فأين الناكصون عن عهدِ الوفـاء.. أين الكرام.. وأين أنتــم !


حينَ تُنتَهك القُدسْ

ما بين فينةٍ تمرُّ وأختها تلوحُ خاطرةٌ تحكي وجعَ الأرض وقصةُ قدسٍ لا زالت على جدارياتِ الألم تحوكُها ذكرى في القلوب ساكنة،، وأي قلوب، بل أي تاريخٍ وأي ذكرى وأي وجعْ ! هو لا يشبه ما يُفجعُ قيسَ العامريّةِ كي يحيِ ذكراها، ولا ما يقرعُ أوداجَ قيصر كي يفيقَ بما يفيقُ به ملوكُ الأرضِ حينَ تُنتَهك الممالك وتُخرَق المسالك، بل زيادة… كي ما يعود بعدها في الوطن من قدسيٍّ ولا غزيِّ ولا أهلِ بيتٍ ولا قريةٍ سوى انتفَضُوا..!

حين تنتَهك القدس

قدسُنا حين تئنّ ليس من وجعٍ يختلجُ قسماتِها أو يشِقُّ قبابَها، أو نيرٍ تُشْعلُ ذاكَ المنبرِ كي يرويَ التاريخُ احتراقه،، هي لا تبكِ ظواهرَ عواهرَ كي نراها تبكيها فنبكيها ،، بل تبكِ حطينَ وتبكِ عمرَ وتبكِ الأيوبيّ وتبكِ زماناً خرج من رحمهِ جيوشٌ قرّرتْ فحرّرت… تبكي حفراً تخرقُ صدرَها تخنقُ ثغرها تقلعُ درَّها كي ما يبقَ للتاريخِ قصةً يرويها أو أثراً يشهدُ أو حداءً يُزجيها…

هل أتاكَ خبرُ “مدينة داوود” حين تشكوها سلوانٌ ضاحيةٌ جنوب الأقصى وقد هُجِّر نفرُها وصودِرت منها الحياةُ كي إذا ما وصلها الموتُ ما تركَ متسعاً لغير أنفاسِ الكلابِ تُحييها !

أم هل خبرْتَ ثمانٍ وثلاثين موقعاً قدسياً بل من قلب الأقصى ورحم أرضه، قد حُفرَتْ تهدِّد قوامَ أقصانا تهلهلُ أرضَه، تغرسُ شوائبَ يشهدُ الدهرُ والتاريخ والقبور والثغورُ كما تشهد صلبانُ الإفرنجِ ذاتُها أن ما لها في هذي الأرض أصلٌ ولا روحْ !

أم علمتَ بخرابةٍ بنوْها فسمَّوْها “كنيس الخراب”  أخربها اللهُ فوق رؤوسهم ، قد شكّلت أكبرُ المعالمِ اليهوديةِ في قدسِنا،، وما بها من معْلَمَ يَصْدُقُــه التاريخُ ولا الحقّ كي تَصْدُقه الأرضُ فتحمله أحشاؤها هوْناً !

أم علمتَ بساحةٍ رسميةٍ لصلاةِ زبانيتهم أنشئوها في أرضٍ مقدسيةٍ أصلُها “هوش الشهابي” جاورت بابَ الحديدِ كي إذا ما وصلها دراويشُهم بكَوْا ،،  فكانت “مبكىً صغير”  وهكذا أسمَوْها..!

أو ما سمعتَ عن اعتقالاتٍ مُوْحِشة وغراماتٍ ماليةٍ باهظة لمصلينا بتهمةِ التكبيرِ والتهليلِ الذيْن يعكِّرا صفْوَ متطرفي اليهودِ أثناء ما يمارسونَ من حُجِّهم وشعائرهمُ حين تقدِّسها جديلتينِ تتأرجحا على قرابةٍ من آذانِ أوغادهم..!

أو عرفتَ باقتحامِ الألفِ متطرفٍ وغدٍ من اليهود لباحاتِ الأقصى “أضخم اقتحامٍ جماعي” منذ 1967م حتى إذا ما انتهى تكلّل بصمتٍ مذعورٍ بريءٍ من أيّ رد فعل شأنه أن يفتح شهيةَ المتخمين جرحاً لمزيدٍ من آهاتِ القدس..!

أو عرفتَ بقصةِ الواحدِ والعشرين “عدد الاقتحامات” التي عكّرت طُهْر أقصانا خلال العام المنصرف 2011 كي تنتهي بخيرٍ دونما حركةٍ ولا سكَنَة !

أو علمنا عن الاعتداءاتِ العبثيةِ بقصورِ الخلافةِ الأمَويّة جنوبيْ الأقصى كي تحلو لسُكّارِهِمُ أمتعُ الأوقاتِ بصحبةِ الأماكنِ الأثريّةِ التاريخيةِ الإسلامية !!!،  والعبثُ أضخمُ أنْ يُجْمَــلْ….

لسنا من نشتاقُ القدسَ بمقدسِ الرملِ والمحراب فقط، بل تشتاقُنا القدسُ.. ليس لصلاةِ الزائرِ القادمِ من أقصى الشمالِ أو الجنوب ، هي تشتاقُ صلاةَ المنتصرِ أيّاً كانت أرضُه على غرارِ تلكَ حينَ أقامها الأيوبيّ لأولِ مرة ٍ بعد ثمانٍ وثمانين عاماً من ذلّ أراذلِ الفرنجةِ وعبثِ الصليب،، يقينٌ هذا .. لن ننتظر الثمانِي وثمانين!

هامش: أيقن أن قدسُنا ما بحاجة لكلماتٍ تمرقُ من أفواهنا ليست سوى ألفاظ بعضُها لاحنٌ وبعضُها زاجلْ،، أمّا فأقصى الأمرُ تعريفٌ بغيرِ معروف، والحسرةُ أنّ انتهاكاتٍ فظيعةٍ جرتْ خلال الأعوامِ المنصرفة ليس بها علمٌ ولا دراية وفي وقتٍ تتلاحقُ به الخواطرُ للقدسِ غازلةً متغنيةً أن لا تفريط ولا مساومة ،، ونحن لا نعلمُ من الأمرِ أقلَّهْ…!

لمن أراد الاستزادة  …  هنـــا  مادة رصدت ووثقت أهم الاعتداءات خلال العام المنصرف 2011


الشعب لا يريـد !

للتعددية وجودٌ في كل بلدان العالم ليس على صعيد الأحزاب والفصائل فحسب ، بل تعددية رأيٍ ومنطقٍ وسلوكٍ ودينٍ وانتماء ،، فلماذا لم نرَ شعباً أكثرُ شجاعةً منا وأضخم “عضلات” فاقتسم بينه الأرض برزخا ، عدا عن انفصال المبادئ و والأحلام ومؤخراً الأسر والدماء ! ،، ولمَ لم تقم للشعبِ قائمةٌ ورأيٌ بعد، وحينما حاول… كُسرت ساقها وقُصِم ظهرها وشُـلَّت حتى إن عادت،، لم تبالي بغير أن تحيا نصف الحياة هذه على كرسيّ العُـجَّز فتكن من الظافرين..!

( المصالحة موضة قديمة،، إلى متى يستمر الحديث في نبذ الانقسام ،، انسوا الموضوع فالانقسام حيٌّ ما حيينا.. ) : صوتٌ من الشعب.

 كنا قد علقنا جزءاً من آمالنا على صوت الشعب “على قولة أم كلثوم”،، أما الآن فأي صوتٍ هذا وأي شعب من يقتسم ليس فقط في الحزب عن سواه ، أو القول أو الأرض ، وإنما في الضمير والانتماء والوطنية !!

أقول لك يا سيدي “ما دمتَ أنتَ حيٌّ فقد دام الانقسام” ،، أما الشعب فلن ينتظر موتكَ حتى تحيا وحدتُه ويقوم عوده ! فمنه البداية وإليه القرار والمنتهى،،

وهنا تكمن المعضلة !!!

231324

الشعب إذا ما أراد شيئاً فأوسعوا للمارد ،، فماذا إن لم يُرد؟؟؟ بل ماذا إن قلّد ما أراده غيره بذات الأسلوب وذات الوتيرة و لكن بإرادةٍ لم تتجاوز طريقاً رملياً من طرق وطننا الحبيب!! فأوقفه المطب الأول في القمع الأول وعند أوّل خدشةٍ كانت تختبر عزيمته واصطباره!!

مصالحتنا يا قومي لا يجب أن تُنتَظَر من قادةٍ يقدمونها على موائدَ تزركشها ألوانُ النوايا وفقاعات الزينة المبرقعةِ بحداءٍ من الكلمات الطنانة الرنانة ! ،، هي لن تتم وقد قامت على أمل خرابها وخراب “شعبيها” إن صدق التعبير ، وقد حقّ ! ، هي لن تقوم وأطرافها قد تمرّست الكذب ، وأدمنت التخاذل فيما يجمعُ ولا ينقض !!

المصالحة خطوة شعبية يبادر بها الشعب ذاته قبل أن يطبقها من فشل في تجديد مصداقيته وإثبات وطنيته ، تحتاج أن يتصافح جاريْنا المتخاصمان منذ 4 سنوات حين يتقابلان رأسان ولا يجمعهما سلامٌ أو  حديث، تحتاج أن نستبدل العلم الأصفر في أعلى تلك المئذنة والأخضر من أعلى ذاك البيت،، يحتاج أن تزول الفوارق والأولويات حين التوظيف لابن ذاك اللون ،، تحتاج أن نصطنع لأنفسنا ميداناً نجتمعُ به على لونينا،،  فالساسة لن تجبرهم غير الحشود ،، والفكرة بحاجة إلى حشد جماهيري وطني أقوى من إرادة الفصائل كلها ،، لا يزيله قمع اليوم الأول ! ولا يذبل أمام اقتصاص الرواتب ، أو انقطاع رغيفٍ من الخبزِ يحمله الجلادُ إليه على أسنة السيوف ،،  ولا يُهمه ألم عصاة كسرت له عظمةً أو اثنتين في زمنٍ قد قامت  فيه ثورات الأحرار على الدماء والأرواح ..!

بالمناسبة ،، لم أسمع بأن حزب النور في مصر قد “احتلّ” مدينة القاهرة ، أو أن الإخوان قد “احتلوا” الإسكندرية ،، أما فسمعت أن “شعباً”  بشبابه وشيوخه ونسائه احتلّ ميدانَ التحرير ويرفض تسليمه دون تلبية مطالبه ! هلا فعلنا شيئاً كهذا !